Caricature1

الكاريكاتير: فنّ الرّسوم السّاخرة

إذا كان الشّعر هو “فنّ الرّسم بالكلمات” كما قال الشّاعر الرّاحل “نزار قبّاني”؛ فلا شكّ بأن الكاريكاتير هو “فنّ الكلام بالرّسم”، حيث التعبير عن رأيٍ لاذع بخطوطٍ هزليّةٍ مُفعمةٍ بحيويّة تتسلل إلى الرّوح دون استئذان. ولو رجعت بنا الذّاكرة إلى  فترة طفولتنا المُبكّرة؛ لوجدنا أنّنا لطالما انجذبنا في حينها إلى صورةٌ صغيرةٌ مرسومةٌ بخطوطٍ هزليّةٍ تُغرينا بالتأمّل في وجه صحيفةٍ ما كانت سطورها المرصوصة لتُغري اهتمام عجزنا عن فكّ طلاسمها في ذلك الحين. وبمرور الأيّام والأعوام، وتقازم مساحات الفرح في النّفس أمام تعملق المسؤوليّات اليوميّة وتضخّم حجم المشاغل؛ تغدو تلك الصّورة ومضة بهجةٍ صغيرة قادرة على شطف هموم النّفس بابتسامةٍ نقيّة ولو لدقائق، لكن هل تساءل أحدُنا يومًا عن شجرة عائلة تلك الصّورة السّاخرة التي تُداعب أرواحُنا بشقاوةٍ مُحبّبة على أمل انبثاق ابتسامة؟ هل فكّرنا بتاريخها، وشؤونها، وشُجونها، وما دار وراء كواليس عُمرها الطّويل؟ وهل خطر لبعضنا الغوص في ذاك العالم السّاحر بالقلم والألوان لنغدو جُزءًا صغيرًا من جاذبيّته؟

لمحة من تاريخ الكاريكاتير
الكاريكاتير اسم مُشتق من كلمة لاتينيّة وهي: Caricare  (كاري كير) التي تعني “رسمٌ يُغالي في إبراز العيوب”. و يُقابلها في اللغة العربيّة مُسمّى “الرّسوم السّاخِرة”.  وهو في الأصل فنٌ عتيق يعود إلى القرن الثّلاثين قبل الميلاد، أي أنّه سبق عصر الكِتابة؛ لأنّ الرّسم الرّمزي ظهر قبل مَرحَلة الحرف بمراحِل. والتعبير بالصّورة قد رافق الإنسان منذ تكوينه الأوّل، فرسم على الكهوف كلّ ما خطر على ذهنه و شاء التّعبير عنه. وفي الحضارات القديمة لعبت الصّورة دورًا هامًا في تبيان الحالة التي أُريد بها التعبير، إذ وصلت بعض أوراق البردي التي تؤكّد أنّ قُدماء المصريين أوّل من استخدم فنّ الرّسم السّاخِر؛ مُعتمدين على قلب الحقائق، ورسم المُفارقات المعنويّة، مع المُحافظة على واقعيّة الرّسوم والأشكال، بطريقةٍ تُثير البسمة، وتطرح قضيّة مُعيّنة. وكذلك ما وُجد من رسوم على جُدران المعابِد في وادي الملوك والملكات في الأقصر وأسوان، إذ أبدع العاملون في تشييد مقابر وادي المُلوك في عصور الرّعامسة تلك الرّسوم التي يرجع تاريخها إلى 1200 سنة قبل الميلاد. وتجدر الإشارة إلى أنّ أولئك الفنّانين لم يُضيفوا على رسومهم أي تعليقات أو نُصوص هيروغليفيّة مكتوبة. كما ظهر فنّ الكاريكاتير في الحضارتين الرّومانيّة واليونانيّة القديمة، ويُحكى أنّ الرّسام اليوناني “بوزون” كان يرسم رسومًا هزليّة ومُثيرة للسّخرية لشخصيّات مشهورة في زمانهم ويُقدّمها للنّاس، وحينَ عوقِبَ أكثر من مرّة ولم يرتدِع؛ قُتل بسبب إسرافه في تلك السخرية

أمّا في العالم الغربي فقد بزغ فنّ الكاريكاتير في القرن السّابع عشر في هولندا وانتقل إلى إنكلترا في القرن الثّامن عشر، واستُخدِم في البدء لغايةٍ مُبتذلة؛ وهي التّشهير بالشّخص المرسوم أو الغاية المُراد التّعبير عنها. وفي الصّحافة العربيّة يُعتبر “يعقوب بن صنوع” أوّل من استخدم فنّ الكاريكاتير في الوطن العربي. حيث صدرت صحيفته في مارس 1878م تحت عنوان “جريدة مُسلّيات ومُضحِكات” مُتضمّنة رسمه السّاخِر
وجدير بالذّكر أنّ فنّ الكاريكاتير كان سبّاقًا في نيل نصيبه من جائزة بوليتزر العالميّة ذات القيمة العالية على صعيديها المعنوي والمادّي؛ والتي تختار فائزيها لجان على أعلى مستويات الذّوق والخبرة، بينما يُسلّم الجوائز لهم رئيس جامعة كولومبيا بنيويورك. إذ كان أوّل من فاز بهذه الجائزة هو رسّام الكاريكاتير “رولين كيربي” عام 1922م. ثمّ فاز الرّسام “جيفري ماكنيللي” بالجائزة نفسها للكاريكاتير في الأعوام 1972م و 1978م و 1985م، بينما فاز بها الرّسام “جيم بورجمان” عام 1991م

أهمّ القضايا التي يُناقشها فنّ الكاريكاتير
القضايا الاجتماعيّة: وهي القضايا التي تهتم بشؤون المُجتمع ومُشكلاته، كالبطالة والطّلاق وتأخّر سنّ الزّواج والمُخدّرات… إلخ
القضايا الاقتصاديّة: وهي القضايا التي تتناول عالم المال والأعمال، ومؤشّرات الأسهُم والبورصات العالميّة والمحليّة، كما تتناول قضايا الفساد الإداري وأثره على الوضع الاقتصادي في المُجتمع
القضايا الفنيّة: وهي اللوحات التي تهتم بعالم الفن والفنّانين من مسرح وموسيقى وتلفزيون وسينما، وتُسلّط الضوء على الفرق بين الأعمال الفنيّة الرّاقية و الأعمال الهابطة
القضايا الرّياضيّة: تتكلّم عن عالم الرّياضة من جميع جوانبها؛ الفنيّة والاقتصاديّة والثّقافيّة والإداريّة وغيرها، إلى جانب مشاكل اللاعبين وأخطائهم وعثراتهم
القضايا الصّناعيّة والإلكترونيّة: تتناول عالم الصّناعة والتقنيات الرّقميّة والحاسوبيّة وأجهزة الاتّصالات الحديثة، وكلّ ما استجدّ ويستجدّ من تقنيات وأجهزة ومشكلاتها وأسعارها ومدى تأثيرها على حياة النّاس اليوميّة

نصائح لهواة رسم الكاريكاتير
إذا كانت روحك تتوق للغوص في رحاب هذا الفنّ الشيّق، وأردتَ أن  تُصبح رسّامًا هاويًا للكاريكاتير على أمل الاحتراف في هذا المجال مُستقبلاً، فما عليك إلا أن تُدقق في حياتك اليوميّة وما فيها من تفاصيل، وما يجري في مُجتمعك من أحداث مُثيرة لاهتمام الرّأي العام؛ لتجسّد كُلّ ذلك من خلال الرّسم بأبسط الخطوط المُعبّرة، القادرة على دغدغة حسّ الدّعابة لدى المُتلقّي بنقدٍ تصوّره بأسلوبٍ ساخر. وإليك بعض النّصائح التي قد تفيدك في رفد موهبتك؛ وربّما التقدّم نحو فضاءات الاحتراف

أوّلاً وثانيًا وثالثًا وعاشرًا يجب أن تُدرك أنّ أهم الشروط التي يجب توفّرها في رسّام الكاريكاتير هو عشقه لهذا الفنّ وشغفه غير المحدود به، بعد ذلك يأتي دور دقّة المُلاحظة، وإعمال الفكر، وتذوّق الفنون الأخرى وتجريبها، ثمّ الثّقافة العامّة، لأنّك إن لم تكُن شغوفًا بفنٍ ما فلن تؤثّر بالمُتلقّي التأثير النّاجح المطلوب مهما حاولت

لبساطة في رسم الكاريكاتير هي إحدى أهم النّصائح التي يجب أن يعيها الهاوي في عمله، لأنّ البساطة والخفّة في رسم الخطوط الفنيّة من أهم شروط الرّسم الكاريكاتيري النّاجح. لكن اعلم أنّ كثرة التبسيط تجعل الشكل فارغًا ومملاً، و تميّز الفنّان يكمن في إدراك التّوازن والضّبط في ملامح النّموذج الذي يرسمه، وأن يكون على علم بالتفاصيل متى يجدُر بها أن تكون بسيطة؛ ومتى يجب أن تكون كثيفة

احرص على مُلاحظة التفاصيل الدّقيقة في حياتك ومُجتمعك، فاهتمامك بتباين السّلوكيّات بين فردٍ وآخر، والفوارق في تصرّفات النّاس وملبسهم ومأكلهم وحركاتهم هو الرّافد الأساسي لموهبتك في هذا المجال. اجعل من العالم بأكمله (استوديو) خاصًا بك والنّاس هم النّماذج الحيّة لرسومك

حاول أن تقف بنفسك أمام المرآة وترسم نفسك بطريقة قريبة للواقع، ثمّ تبدأ في تبسيط هذه الصّورة حتّى تصل إلى الشكل الكاريكاتوري المطلوب

عوّد نفسك على الرّسم من الطّبيعة مُباشرة، وحاول أن تسأل أحد أصدقائك ليقف أمامك وترسمه، و إن واجهتك مُشكلة التعبير من ضحك أو حزن أو غضب أو بُكاء فلا بُدّ أن تسأله أن يُمثّل لك الحالة لترسمها

استخدامك لقلم الرّصاص أو الفحم هو أساس العمل الكاريكاتوري، قبل استخدام الفرشاة

ثقّف نفسك فنيًا قدر المُستطاع. اقرأ الكُتُب المتخصصة بتعليم فنّ الكاريكاتير، وتابع الرّسوم التي تُنشر بانتظام على صفحات الصّحف أو المجلات المتخصصة بهذا الفن، وحبّذا لو تمكّنت من زيارة بعض المعارض الفنيّة لمشاهير الرّسامين في منطقتك إن صادف و أُقيمت

علم أنّ كثرة التّمرين على الخطوط كفيلٌ بأن يجعلك رسّامًا خلال فترةٍ وجيزة

ارسم باستمرار، واحتفظ برسُومك لترى مدى التطوّر والنضج التدريجي في نظرتك الفنيّة وخطوطك

المراجِع
طلال فهد الشّعشاع. كتاب: فنّ الكاريكاتير/دراسة علميّة نظريّة وتطبيقيّة. منشورات النّادي الأدبي بحائل ودار الانتشار العربي
عمرو فهمي. كتاب: الكاريكاتير.. الفن المُشاغِب/ تاريخه ومدارسه. منشورات مكتبة الدّار العربيّة للكتاب
أحمد المُفتي. فن رسم الكاريكاتير. دار دمشق للنشر والتوزيع

بقلم: زينب علي البحراني
[email protected]




There are no comments

Add yours