نور مبارك الصباح، أكثر مما تراه العين

ولدت من أم أمريكية واشتهرت على الصعيد العالمي باقتنائها للأعمال الفنية تحت اسم الشيخة بولا الصباح، نور مبارك الصباح ًهي الطفل الأصغر من بين ستة أطفال، وبذلك حصلت على منزلة مميزة بين أفراد العائلة. لكن حياتها اتخذت منعطفا غير متوقع خلال سنوات عمرها المبكرة، وذلك إبان غزو العراق الغاشم لدولة الكويت في العام ١٩٩٠، وابتعادها مع عائلتها عن مجتمعهم، وثقافتهم، والدهم الشيخ مبارك جابر الأحمد الجابر الصباح. وبعد مرور عدة سنوات، عادت مع عائلتها إلى الكويت، على أمل إعادة بناء حياتهم، حيث عملت نور بجد وبلغت الـ ٢٢ ربيعاً، ودون أن تملك أي خبرة في مجال تجارة الأزياء، أصبحت مديرة مشتريات الأزياء لدى متجر العثمان، حيث بدأت تجوب العالم من أجل اختيار الأزياء والاكسسوارات لصالح متجرها المرموق والمشهور ببيع الأزياء الفاخرة على مستوى الكويت. واليوم، تعبر نور إلى عامها الـ ٣٠، معلنة استقالتها من منصبها كمديرة الأزياء لدى متجر العثمان لتركيز على إكرو، العلامة التجارية لنمط الحياة الفاخرة التي أسستها مع أفضل صديقاتها نور قاوقجي. أما آخر أحداث مسيرة حياتها فكان زواجها السعيد وحملها بطفلها الأول

ورغم ولادتها في كنف العائلة الحاكمة، إلا أن نور لم تتمتع بالراحة والاسترخاء الذي يظنه البعض، فقد قامت بنحت اسمها الخاص في عالم الأزياء الخليجية المعاصرة وما وراءها بجهد كبير، فحياة نور الصباح تختلف كثيراً عن حياة الأمراء. وكونها أصغر أفراد العائلة، فإن توجهاتها في الحياة صقلتها تجارب والديها وإخوتها الأكبر سناً، الذين ترعرعت فيً محيطهم لتصبح اليوم زوجة سعيدة، وسيدة أعمال ناجحة، وأما حنونة. ومن كرمها البالغ استضافتني نور في منزلها الواقع بمنطقة المسيلة بالكويت، حيث استقبلتني بحفاو ٍة وترحيب في مكتبتها، وأعدت لي وجبة إفطار غنية وفي صباح يوم الجمعة، شعرت على أثرها أني في منزلي. جلست على الجانب الآخر المقابل لمقعدي، وهي تنتقي حبات الفراولة من طبقها، وهي تجلس على الأريكة بساقين متقاطعتين، وتجيب على أسئلتي بحماس طبيعي وبتوق كبير. وسار بنا الحديث لنطوف بماضيها الذي لا ينسى، وحاضرها المشهود، ومستقبلها الواعد

الماضي – منذ الولادة حتى سنين الطفولة، تلقت نوعاً متميزاً ومختلفاً من التعليم، وعاشت حياتها بشخصية نصف عربية، وانطلقت إلى عالم الموضة والأزياء الفاخرة مع متجر العثمان

من هي نور الصباح بأربع جمل؟

إنسانة منطوية على نفسي، وهو ما لا يتوقعه الآخرون، أحب البقاء في المنزل، لكني لا أتيق الابتعاد عن دائرة أصدقائي المقربين، والأشخاص المحيطين بي، ويبدأ ترتيبهم من حياتي الخاصة، فأفراد عائلتي، ثم أصدقائي الذين أعرفهم منذ سنوات طويلة. كما أني أحب أن أكون محاطة بالأشخاص الذين أحبهم، والذين يكنون الود لي. وبإيجاز، هذه قوقعتي التي أعيش بها

هل تغلبت على أي سوء فهم أو صور نمطية واجهتها كونك ترعرعت في كنف العائلة الحاكمة في الكويت؟

بالطبع، فنحن تربينا على أن اسم العائلة لا يشكل هويتنا، وأعتقد بأن التوازن في هذا الأمر جاء من طرف والدتي كونها أجنبية، كما أن والدي لم يدخل معترك السياسة، وهو ما ساعدني على تكوين رؤية متميزة تجاه اسم عائلتي. لقد قام والدي باتخاذ قرار حكيم بعدم الدخول إلى عالم السياسة، وذلك كي ننشأ ضمن بيئة طبيعية ومثالية

أذكر بأن الناس كانوا يخاطبوني وأخي، الذي يكبرني بسنة واحدة فقط، قائلين: ”ألا تعرفون من هو جدكم؟ ولماذا تحضرون إلى المدرسة أصلاً؟ ألا تعلمون بأنكم ستتخرجون بغض النظر عن النتيجة؟“ هذا النوع من التفكير لم يخطر على بالنا أبداً، لأن والدي لم يربينا على هذا، ولم يسمح به بأي شكل من الأشكال. فمن المحرم علينا الاستعانة باسم عائلتنا كوسيلة لتنفيذ مآربًنا وتسيير شؤوننا. وحتى يومنا هذا لم أقم بذلك، ولن أقوم بذلك أبدا. قد لا يصدقني الناس، لكنها الحقيقة

كيف تأثرت شخصيتك كونك ابنة أب كويتي وأم أمريكية؟

رغم أن والدتي أمريكية، إلا أنها سرعان ما استوعبت ً ثقافتنا المحلية، وتأقلمت على نمط الحياة الجديدة هنا. لم أشعر يوما بأن هذه الدولة ليست وطني، أو أنني أعيش منقسمة بين واقعين. ما أعنيه أن والدتي غادرت منزلها وأصبحت مسلمة، وتعلمت اللغة العربية، واختارت الكويت وطناً لها. كان لدي الكثير من الأصدقاء من مختلف الجنسيات والثقافات، وبعضهم أمهاتهم أجنبيات، وانتهى بهم الأمر بالعودة إلى أوطانهن مع أطفالهن. أمي ليست من هذا النوع، فهي تقول لي دائماً: ”هذا هو وطنك، وهذه هي حياتك.“ حتى اليوم، لا أشعر بأن أمريكا هي وطني، رغم أني أحب أمريكا، وأفخر جداً بكوني نصف أمريكية، لكنني لا أشعر بأنها تشكل، بأي شكل من الأشكال جزءاً من هويتي. فالكويت وطني، وحيث ينبض قلبي

اشتهرت على نطاق واسع بكونك مدير مشتريات الأزياء لدى متجر العثمان، هل شكل عالم الأزياء حلماً كنت تسعين لتحقيقه؟

لطالما أبديت اهتمامي بعالم الموضة والأزياء، وقضيت فصول الصيف باتباع دورات خاصة بتصميم الأزياء في كلية سنترال سانت مارتينز للفنون، لكن دون أن احصل على شهادة منهم، لأني كنت أقوم بذلك من باب الهواية وقضاء الوقت في ممارسة أمور تسعدني. كانت لديهم مكتبة كبيرة تضم جميع إصدارات مجلة فوغ للأزياء، إنها مجموعة رائعة ومدهشة، لكن بمجرد انتهاء دوراتي التدريبية في الكلية سحبوا مني بطاقة المكتبة، وكنت سأرجوهم ابقاءها معي لو كان في ذلك نتيجة. هل خططت لبناء مهنتي في عالم الأزياء؟ كلاً، لقد حدث الأمر بمحض الصدفة، ولم أصدق أنها حدثت

سافرت جميع أنحاء العالم كمديرة مشتريات الأزياء، أي رحلاتك كان لها الأثر الأكبر في نفسك؟

بدأت العمل في صيف العام ٢٠٠٨، وانطلقنا برحلة شراء في نفس العام، أما رحلة الشراء التالية فقمت بها لوحدي، حيث قام مديري بإرسالي إلى عرين الأسد حرفياً، وكأنه يقول لي: ”اذهبي واكتشفي الأمر بنفسك.“ لقد سافرت لوحدي تماماً، وكان مصروفي (توقفت، وهمست) هل من المسموح لي الإفصاح عن المبلغ؟ كنت ًأصرف الكثير من المال (وهي تضحك) على حساب العمل، وكان لزاما علي تعويض هذا الصرف من خلال المشتريات التي أقوم بها. لقد كان الأمر مرعباً بالنسبة لي، ولكن هل قمت بعملي على أتم وجه؟ كلا، فبعد كل اجتماع عمل كنت أتصل بمديري وأشتكي عما حصل، لقد وقف إلى جانبي بقوة، وقال لي: ”إذا لم يعجب الأمر نور، فإنه لن يعجبني.“ لقد كنت فتا ًة بعمر الـ ٢٢ ربيعاً، اتخذ القرارات المصيرية لأحد أكبر المتاجر الفاخرة في العالم. عندما عدت وأنا أعلم بوجود شخص يثق بي لهذه الدرجة، رغم معرفتي بقلقه حيال الخيارات والقرارات التي اتخذتها، جعلني الأمر أشعر وكأنني اكتسبت احترام وتقدير هذه الصناعة

الحاضر – ملء فراغها الإبداعي بإطلاق العلامة التجارية إكرو، وبحفل زفافها الميمون

هل لديك روتين يومي؟

إلى أن تركت العمل لدى متجر العثمان مؤخراً، أستيقظ كل صباح واخرج من الباب وأنا ما زلت أرتدي ثيابي، على أمل ألا أتأخر عن عملي، فالأمر ليست سليًة، فقد عملتمنا لـ٩صباحاًحتى الـ٣عصراً  يومياً، وكنت أحاول التسلل من العمل، لا يمكنك ذكر هذا في الحوار (وهي تضحك)، كنت أحاول التسلل من العمل كي أطمئن على إكرو، الذي يقع في نفس المجمع الذي يقع فيه متجر العثمان. لكن وبكل صراحة، كان متجر العثمان يحظى بالأولوية عندي في كل شيء، وقد تركت العمل لديه في شهر أغسطس من العام ٢٠١٦ للتركيز على مسيرة عملي الخاص

كيف تتم إدارة العلامة التجارية إكرو؟

بدأت العمل بالتعاون مع صديقتي نور، حيث كنا نقوم بانتقاء كافة التصاميم والصيحات والصور التي نرغب بها، ومن ثم نقوم بمزجها معاً. بعد ذلك نتوجه للحصول على المواد، ولنعرف المنتجات التي تتناسب مع الطبعات. وكنا نتلقى النصائح من الحرفيين المهرة في هذا المجال حول أي الأفكار قابلة للتنفيذ، وأيها ليست كذلك. يعمل لدينا ثلاث حرفيين مهرة، وكل واحد منهم ينحدر من عائلة تعمل في هذا المجال منذ أجيال عديدة. كما أن العمل معهم مدهش وممتع، لأننا ندفع لهم نقداً فقط، كونهم لا يؤمنون بجدوى الحسابات المصرفية

تخفي إكرو الكثير من الرسائل الخاصة لك ولنور ضمن منتجاتها. كيف تحقق ذلك؟

نعشق أنا ونور العمل والمرح في آن واحد، فنحن نشيع جواً من الفكاهة ضمن تصاميم مجموعاتنا لتبقى الأمور مثيرة، كما أن هذه المجموعات تعكس نجاحاتنا واخفاقاتنا في الحياة، لذلك ستجدنا دائماً ننظر إلى الوراء كي نجسد مشاعرنا. كما أنني أظن بأنها طريقة رائعة ومناسبة لإدخال لمستي الشخصية في حياة الآخرين

هناك ثلاث عناصر مهمة في حياتك الشخصية، وهي كلابك الخاصة، هلا أخبرتنا عنها؟

أنا أحب الحيوانات كثيراً، وبخاصٍة الكلاب،لكني لم أتمكن من امتلاك أحدها بسبب طبيعة عملي في متجر العثمان، ولسفري المستمر طوال الوقت. حصلت على كلبي بايرت، وهو فرنسي من نوع بولدغ، كهدي ًة من أصدقائي، عندها فكرت بأنها ”السبيل الوحيد لاقتناء كلب،“ وهو يشغل حيزاً مهماً في حياتي، فهو مستعد لحمايتي دائماً، فضلاً عن اخلاصه لغير المحدود، وهو الأكثر احساساً بمشاعري، فهو يقرأ أفكاري

أما زوجي، بدر الصانع، فيملك كلباً صدمته سيارة في بدايات معرفتي به، لذلك أصبح قريباً جداً من كلبي بايرت، ومن ثم حصل زوجي على نيكو، وهو كلب أبيض كبير من سلالة أكيتا. وهكذا تعرفنا على بعضنا البعض وتطورت ًعلاقتنا، حيث كنا نقوم باصطحاب الكلاب في نزهات معا، ونتبادلً أطراف الحديث، فقد شكلت الكلاب الرابط الذي جمعنا معا، فكلانا يحب الكلاب

لفد تعرفت على الكثير من طباع وخصائص بدر من طريقة تعامله مع كلبه، فالكثير من الرجال لا يعرفون كيفية التواصل مع الآخرين بشكل جيد، لذا أحببت فيه قدرته على قراءة الإشارات غير الشفهية مع كلبه، واعتقد بأنها علامة تواصل جيدة عندما يحظى بالأطفال، (وتضحك) هذا صحيح، فإذا كان يجيد قراءة إشارات الكلاب، فقد يجيد قراءة أفكاري، أعلم بأن الأمر يبدو غريباً. أما بيستو فهو آخر الكلاب التي حصلنا عليها مؤخراً

هل بإمكانك إخباري عن الطريقة التي تعرفت بها على زوجك؟ وعن حفل زفافك؟

هل تمزحي معي؟ هل لدينا وقت لمناقشة هذا الموضوع؟ لقد تعرفت عليه على مدى عامين، وكنت ألتقي به في الاجتماعات العائلية ومع الأصدقاء. بعد ذلك، وبعد معرفتي به على مدى عامين، وعدم تبادل الكثير من الأحاديث معه، شاهدته في منزل أحد الأصدقاء، وقررت حينها بأنه الرجل المناسب لي. وعلى الرغم من أنني لم أقم بأي تصرف لا ينبغي علي القيام به، إلاأننيكنتخجولًةجداًحولهذاالموضوع،لكننيفيالوقت نفسه جعلته يشعر بما أشعر. بعد تلك الليلة، لم نغب عن ناظري بعضنا البعض، وتزوجنا بعد ذلك بعامين، حيث تقدم وطلب يدي ونحن نتنزه على الشاطئ

أما أجمل اللحظات التي عشتها خلال فترة التحضير لحفل الزفاف، إلى جانب الاقتران بزوجي، فتعود إلى عشرة أشهر قبل اليوم المنشود، حيث بدأت أنا وشريكتي نور بتصميم كل ما يتعلق بحفل الزفاف من اختيار للأقمشة، والأطباق، والفوانيس المعلقة، والشمعدانات. فكل ما كان يحيط بي هو من ابتكارنا، وما زلت أحتفظ بهم في منزلي. كما أن هذه التصاميم حملت في طياتها الكثير من الرسائل الخفية التي استمتعنا بإضافتها، فعندما تعرفت على بدر لأول مرة، قامت نور بإبداع نموذج لقمر بحالةالبدرمعأشجارالنخيل،وهو تصميم خاص به لأن دلالٌة على اسمه

المستقبل – الارتقاء بعلامتها التجارية إلى المستوى الأفضل، والتحضير لنمط حياتها الجديدة

ما هي خططكم المستقبلية للعلامة التجارية إكرو؟ وكيف ترغبين بتنميتها وتطويرها؟ لدينا الكثير من الخطط للمستقبلية، فهناك الكثير الذي نستطيع القيام به، لكن علينا انجازه خطوة تلو أخرى. أما الخطوة الرئيسية القادمة فتتمثل في إيجاد مساحة وفراغ أوسع لعملنا، فنحن نرغب في الحصول على متجر خاص بنا يحمل اسم ”عالم إكرو“، الذي نرغب في جعله جزءاً حيوياً من المجتمع الموجود في كنفه

كيف انعكس الحمل وتيرة حياتك اليومية حتى الآن؟ وما الذي غيره طفلك في شخصيتك؟

النوم لفترات طويلة، وأنا أحب النوم بطبيعتي، ولكن بالتأكيد اضطرت إلى إبطاء مسيرة أعمالي، وهو ما شكل صدمة بالنسبة لي، فأنا أعمل بنشاط في المحيط الخارجي من ٦-٥ أيام في الأسبوع. وبوجود الحمل عاتبني جسمي قائلاً: ”كفى، لا أعتقد أنك ستتابعين على هذه الوتيرة، فإذا كنت تعتقدين بأنك قوية بما فيه الكفاية، فأنت مخطئة،“ كما أن تباطؤ وتيرة عملي جعلني أكثر تأملاً. لقد بدأت التعرف على المجالات التي لا أجيدها، أنا لا أشكك بقدراتي، ولكني وقفت على المجالات التي بإمكاني تحسين مستوى تعاملي معها

هل ستصبحين متحررة بالتعامل مع طفلك كما كان والديك معك؟

بالطبع، فوالداي كانا متحررين بما فيه الكفاية، لكنهما لم يتجاهلا الثقافة أو التقاليد المحلية، وكانا يرددان دائماً: ”اعرفي من أنت، ومن اي عائلة تنحدرين“، كما أن كل ما تفعلينه هو انعكاس لتصرفاتك كأحد الوالدين. وعلى الرغم من أنني متحررة، إلا أننا لم ننشأ لكي نعيش على نحو جامح ودون قيود

ما الذي ترغبين لابنتك معرفته وتعلمه من تجارب حياتك؟

التعاطف، تعلمت ذلك من والدي، فمن الأهميةوجود مكان يختزن المرء فيه قدراً كافياً من القصص، ومحاكاة شخصياتها. والطريقة التي نشأت بها قائمة على هذا النوع من التعاطف بشكل لا يتجزأ

صور: جليل مارفن

ثياب: إكرو




There are no comments

Add yours